محاضرات

خَلْقُ السّموات والأرض(البحث الحادي عشر)

خَلْقُ الأَرْضِ فِيْ يَوْمَيْن

قال سبحانه وتعالى(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ){فصلت/9}
لكي نفهم معاني الآيات القرآنية ينبغي أن يكون عندنا عهد سابق بطرق القرآن في التعبير عن الأمور، فهو معجزة بكل عمومياته وخصوصياته وطريقة سرده وسبك عباراته وربط الأمور ببعضها في نفس السورة أو في سور متعددة.
فمن خلى ذهنه من معرفة ذلك فلا يؤمَن عليه من الوقوع في الخطأ وإن لم يعبّر عنه بلسانه، فقد يأخذه الشك للوهلة الأولى ويظن بأن هناك تناقضات في الكتاب العظيم نظراً لورود الآيات بصيغ عديدة.
والآية الآنفة الذكر تصرّح بأن الله تعالى خلق الأرض في يومين من أيامه المجهولة لدينا، وهل يصح التعبير عن عظم الأمر باليوم أو اليومين أو الأربعة أو الستة ويكون المعنى واحداً في الجميع؟
لقد طرحت هذا السؤال لأن القرآن الكريم مرة يصرح بأن الله تعالى خلق السموات السبع في ستة أيام، ومرة أخرى يصرح بأنه خلقهن في يومين كما في قوله المبارك(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)
وهنا أيها الأعزاء لكي يهون البحث علينا لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة أو الإحتمالات.
أولاً: هل خلق السموات في ستة أيام والأرض في ستة أيام أخرى فأصبح عدد الأيام اثني عشر؟
ثانياً: هل خلقهن في ستة أيام والأرض في يومين فأصبح العدد ثمانية؟
ثالثاً: هل يمكن التعبير عن خلق السماء بخلق الأرض أو العكس؟
رابعاً: هل أن الأمر هنا لا يتعلق بالعدد فللقرآن أن يذكر من أعداد الأيام للتعبير عن العظمة بقدر ما يشاء؟
وهنا أجيب على تلك الأسئلة بجواب واحد لعله ينسجم مع طريقة القرآن الكريم في التعبير فأقول: إن الأمر لا يتعلق بالعدد، فلا اثنا عشر يوماً ولا ثمانية ولا ستة ولا أربعة ولا يومان إذ لعلّ المراد باليوم هو المرحلة فيكون خلق السموات والأرض قد تم على مراحل، وهذا ما صرّحت به بعض الأخبار من أن إيجاد شيء وتنظيم شيء قد تمّ قبل الآخر، أي على دفعات، ولا مانع من التعبير عن خلق السموات بخلق الأرض نظراً لارتباطهما الوثيق، فيكون خلقهما تمّ في مرحلتين: المرحلة الأولى: هي مرحلة ما قبل الإنفجار العظيم، والمرحلة الثانية: هي مرحلة ما بعده.

تَقْدِيْرُ الأَقْوَات

لم يخلق الله تعالى السموات والأرض فحسب وإنما خلق لهما نظاماً متكاملاً وبارك أقوات أهل الأرض من بشر وحيوانات تكفيهم وزيادة مهما عمّروا في الحياة، وذلك حجة عليهم في يوم الحساب، وكما أن خلق السموات والأرض آية من آياته الكبرى فكذلك إنزال الماء وإخراج النبات، قال تعالى(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ){فصلت/10}
تشير الآية إلى موضوع تثبيت الأرض بإرساء القواعد فيها، وهي الجبال، وفي موضع آخر بيّن الله تعالى شيئاً من وظائف هذه الجبال حيث يقول(وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ){النحل/15}
وأما الأيام في الآية فهو كما ذكرنا في البحث السابق مدة زمنية أو مراحل خَلقية معيَّنة، وأما السائلون فهم المحتاجون، وجميع الخلق من البشر والحيوانات على أنواعها محتاجة إلى رزق الله تعالى وإلا هلكوا جميعاً.
ومن هنا علّق علماء الكلام على موضوع تقسيم الوحدانية إلى الوحدانية في الخالقية والربوبية والرازقية، فالله تعالى خلق الخلق ودبّر أمور خلقه وجعل لكل مخلوق أنظمته الخاصة وحدوده المعلومة، قال تعالى(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ){القمر/49} وقال سبحانه(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ){الرعد2/4}

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى